ابن كثير

104

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

البدن والروح معا وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً أي ينتشر الناس فيه لمعايشهم ومكاسبهم وأسبابهم ، كما قال تعالى : وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [ القصص : 73 ] الآية . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 48 إلى 50 ] وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ( 48 ) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً ( 49 ) وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً ( 50 ) وهذا أيضا من قدرته التامة وسلطانه العظيم ، وهو أنه تعالى يرسل الرياح مبشرات ، أي بمجيء السحاب بعدها ، والرياح أنواع في صفات كثيرة من التسخير ، فمنها ما يثير السحاب ، ومنها ما يحمله ، ومنها ما يسوقه ، ومنها ما يكون بين يدي السحاب مبشرا ، ومنها ما يكون قبل ذلك يقم الأرض ، ومنها ما يلقح السحاب ليمطر ، ولهذا قال تعالى : وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً أي آلة يتطهر بها كالسحور والوقود وما جرى مجراهما ، فهذا أصح ما يقال في ذلك . وأما من قال إنه فعول بمعنى فاعل ، أو إنه مبني للمبالغة والتعدي ، فعلى كل منهما إشكالات من حيث اللغة والحكم « 1 » ، ليس هذا موضع بسطها ، واللّه أعلم . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي عن أبي جعفر الرازي إلى حميد الطويل عن ثابت البناني قال : دخلت مع أبي العالية في يوم مطير ، وطرق البصرة قذرة ، فصلى فقلت له ، فقال وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً قال : طهره ماء السماء ، وقال أيضا : حدثنا أبي ، حدثنا أبو سلمة ، حدثنا وهيب عن داود عن سعيد بن المسيب في هذه الآية قال : أنزله اللّه طهورا لا ينجسه شيء . وعن أبي سعيد قال : قيل : يا رسول اللّه أنتوضأ من بئر بضاعة ، وهي بئر يلقى فيها النتن ولحوم الكلاب ؟ فقال « إن الماء طهور لا ينجسه شيء » « 2 » رواه الشافعي وأحمد وصححه وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي . وروى ابن أبي حاتم بإسناده : حدثنا أبي ، حدثنا أبو الأشعث حدثنا معتمر ، سمعت أبي يحدث عن سيار عن خالد بن يزيد قال : كان عند عبد الملك بن مروان فذكروا الماء ، فقال خالد بن يزيد : منه من السماء ، ومنه يسقيه الغيم من البحر فيغذ به الرعد والبرق ، فأما ما كان من البحر فلا يكون له نبات ، فأما النبات فمما كان من السماء . وروي عن عكرمة قال : ما أنزل اللّه من السماء قطرة إلا أنبت بها في الأرض عشبة أو في البحر لؤلؤة . وقال غيره : في البر بر وفي البحر در .

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 9 / 397 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الطهارة باب 34 ، والترمذي في الطهارة باب 49 ، والنسائي في المياه باب 1 ، 2 ، وابن ماجة في الطهارة باب 76 ، وأحمد في المسند 3 / 15 - 16 ، 31 ، 86 .